ابو القاسم عبد الكريم القشيري
46
الرسالة القشيرية
سمعت عبد اللّه بن يوسف الأصبهاني يقول : سمعت أبا بكر الرازي يقول : سمعت الجريري يقول : سمعت الجنيد يقول : دخلت يوما على السرى السقطي وهو يبكى ، فقلت له : ما يبكيك فقال : جاءتني البارحة الصبية « 1 » ، فقالت : يا أبتى ، هذه ليلة حارة ، وهذا الكوز أعلقه هاهنا . تم إني حملتني « 2 » عيناي فنمت ، فرأيت جارية من أحسن الخلق قد نزلت من السماء ، فقلت : لمن أنت ؟ فقالت : لمن لا يشرب الماء المبرد في الكيزان « 3 » . فتناولت الكوز فضربت به الأرض فكسرته « 4 » . قال الجنيد : فرأيت الخزف لم يرفعه ولم يمسه ، حتى عفا « 5 » عليه التراب . أبو نصر بشر بن الحارث الحافي أصله من « مرو » . وسكن بغداد ، ومات بها ، وهو ابن أخت علي بن خشرم . مات سنة : سبع وعشرين ومائتين « 6 » . وكان كبير الشأن « 7 » . وكان سبب توبته : أنه أصاب في الطريق كاغدة « 8 » مكتوبا فيها اسم اللّه عز وجل قد وطئتها الأقدام ، فأخذها واشترى بدرهم كان معه غالية « 9 » ، فطيب بها الكاغدة ، وجعلها في شق حائط . . فرأى فيما يرى النائم كأن قائلا يقول له : يا بشر ، طيبت اسمى ، لأطيبن اسمك في الدنيا والآخرة . سمعت الأستاذ أبا على الدقاق ، رحمه اللّه ، يقول : مر بشر ببعض الناس ، فقالوا : هذا الرجل لا ينام الليل كله ، ولا يفطر إلا في كل ثلاثة أيام مرة ؛ فبكى بشر ، فقيل له في ذلك فقال :
--> ( 1 ) بنته . ( 2 ) وفي نسخة ثم « إنه غلبتني » . ( 3 ) أي لمن يمنع نفسه منه مع رغبته فيه . ( 4 ) هذه اللفظة ساقطة في بعض النسخ . ( 5 ) عفا : درس . ( 6 ) وولد سنة 150 ه ( 767 ) م . وصحب الفضيل بن عياض ورأى سريا السقطي . ( 7 ) استشفع المأمون بأحمد بن حنبل في أن يأذن الحافي المأمون في زيارته فأبى الحافي . ومن كلامه : « من أراد أن يلقن الحكمة فلا يعصى اللّه » و « إذا أعجبك الكلام فاصمت أو السكوت فتكلم » و « من سأل اللّه الدنيا فإنما يسأله طول الوقوف بين يديه » و « هب أنك ما تخاف أما تشتاق ؟ » . ( 8 ) كاغدة : ورقة . ( 9 ) نوع من الطيب .